منتديات رغد الشمال

منتديات رغد الشمال (http://www.rag7d.com/vb/index.php)
-   - مآذآ : يُحكَى سلَفآ ‘ (http://www.rag7d.com/vb/forumdisplay.php?f=171)
-   -   اللقاء الأخير (http://www.rag7d.com/vb/showthread.php?t=21600)

الغارس 06-06-2018 12:21 PM

اللقاء الأخير
 

اللقاء الأخير

خرجتْ من منزلها سيرًا على أطراف أصابعها، نظرتْ حولها نظرات مريبة، أغلقت خلفها الباب بهدوء، وبحركة عفوية وضعت إصبعها الشاهد فوق شفتيها، وهمست لنفسها: "هُس"، بعدها تنفَّسَت الصعداء؛ إذ شعرت بالنجاح الكبير أثناء إتمام عملية الهروب من المنزل.

لكن، بقي أمامها خطوات، فاختارت لنفسها موقعًا بعيدًا عن الأعين تحت ظل شجرةٍ كبيرةٍ، في حديقة منزلهم، وأخذت ترقب السيارات القادمة والناس، وجميع أنواع المارة، حتى قطط الحي، كانت تنظر إلى ساعتها مع كل نبضة قلب تقريبًا، ثم تمد يدها إلى ملابسها؛ لتزيد من ترتيبها، وتُمَرِّر أصابعها فوق تسريحة شعرها، أحيانًا كانت تُخرِج المرآة من حقيبتها؛ لتطمئن على جمالها وأناقتها، طال إحساسها بالانتظار رغم أن عقارب الساعة لم تَتَزَحْزح إلا قليلاً، فبدأتْ تحدِّث نفسها قائلة: هل نسي فؤاد موعدنا؟ أو أنه يتجاهلني؟ أو يريد أن يختبرني؟ أو...؟ أو...؟

وما هي إلا لحظات، حتى حضر "فؤادها"، وبخفة رشاقة قفزتْ إلى سيارته، وأغلقت الباب خلفها، ثم اتكأت على الكرسي بجواره، وقالت: مرَّت الأمور بسلام.

أما هو، فقد ابتسم لها، ونظر إليها نظرة شملتها كلها، ثم مد يده نحو الشريط المسجل، فرفع صوت الشريط، وبدأ يدندن معه، بينما زاد في سرعة سيارته، فانطلق وكأنه في سباق دولي، حاولت التحدُّث إليه، لم يأبه بكلامها أو نظراتها اليوم، إن قلبه وعقله مشغولان بشيء ما، هكذا حدثتها نفسها.

داخل قلبها شيءٌ من الريبة عندما لاحظتْه يُغَيِّر طريقه المعروفة لديها، والتي كان يسلكها سابقًا، سألته: فؤاد، ما بك؟ هذه الطريق لم أعهدها من قبل! ابتسم وأجابها ببرود:
اليوم ستكون نزهتنا في مكان لَم تألفيه، مكان بعيد عن أعين المتطفِّلين من الناس.
• أن أكون بعيدة عن أعين المتطفلين، هذا شيء مطمئن، ثم أطرقتْ قليلاً، وسألته بلهفة: وهل سنذهب إلى مكان موحش؟ضَحِك ومدَّ يده نحوها، وسألها:
وكيف يكون موحشًا وأنا معك؟! ها كيف؟!
يا الله، لقد توغل في الطرق الجانبية، لقد أصبح المكان موحشًا ومظلمًا ومقفرًا!
صاحت به: فؤاد، ما بك؟! إلى أين أنت ذاهب؟! وقف فؤاد إلى جوار جبل شامخ، وأشار إلى زاوية بعيدة، وقال لها: هناك، هناك سنجلس قليلاً، ثم نذهب بعدها إلى الشاطئ!
ولماذا؟ ولماذا اخترتَ هذا المكان بالذات؟ سألتْه بلهفة.
آه، قلت لك ألف مرة: لكي نكون بعيدين عن أعيُن المتطفِّلين والمزْعجين، ثم أكمل قائلاً:
هيا، هيا يا قطتي المدَلَّلة، كوني شجاعة، وقومي وسيري معي إلى هناك، إنها نزهة بسيطة جدًّا!
سألته: أأنت مطمئن لهذا المكان؟ ألا يوجد وحوش هنا أو هوام؟
ابتسم وقال: صحيح إنك خفيفة الظل! وهل تشكِّين برجولتي وقوتي يا حلمي الغالي، يا آنسة "أحلام"؟!
أم إنك تشكين بنواياي نحوك؟
فتح باب سيارته، وأخرج لها علبة جميلة، فتحها أمام عينيها، وقال لها:
انظري أيتها الحبيبة، دُهشتْ وقالت: يا الله، ما هذا؟
إنها شبكتك التي اخترتها لك، والتي سأقدمها لوالديك بعد خطبتك، وتقبيل أياديهما طبعًا.

استراح قلبُها قليلاً، ووجدت نفسها تشاركه الضحك والمسير نحو ذلك المكان.

وصلا إلى ذلك المكان الكئيب - حسب تعبيرها – قالتْ له معلِّقة: يشعرني هذا المكان بالوحشة والتوحش، أعتقد أن ذئاب الصحراء تفتك بضحاياها هنا، ضحك وقال لها:
ربما، لكن أنا لا يهمني ذئاب الصحراء، تهمني قططها المدللة، وتأسرني الفتاة الجميلة الأنيقة، التي تنبض بالإغراء والإغواء والحيويَّة!

أمسك يدها ونظر إلى وجهها، وقال: أحلام، يا حلمي الجميل، الآن سوف أُحققه، منذ زمن وأنا أُخَطِّط لهذه اللحظة، أحلام هيا معًا إلى عالم الأحلام، اقترب منها أكثر وضغط على جسدها.

نظرت إليه بعينين جاحظتين من هول المفاجأة، ثم صرختْ بصوت مرتفع، فلم تسمع سوى صدى صوتها، مع صدى قهقهاته، ركلتْه بقدميها، ضربته بيديها، شتمته كل الشتائم التي ذكرتها، بصقتْ في وجهه؛ لكنه لم يأبه لكلِّ ذلك، استمر في الإقدام على ما عزم عليه ودبَّر له.

لحظتها أحسَّتْ أن معسول الكلام ليس إلا علقمًا مرًّا عندما يصدر من شابٍّ، وأن الرقة والحساسية والشفافية والعاطفة التي كان يظهرها لها، إنما هي غطاء سميك لأنياب ذئب فتَّاكة، ولقلب ثعلب ماكر.

لحظتها، اهتزت الأرض تحت قدميها، فلم تدرِ أين تضعهما، ودت لو تتزلزل الأرض كلها، ويندثر العالم، ويتلاشى الكون، ويدمر فوق رأس كل المخادعين والكذابين والمنافقين والدجالين أمثال فؤاد، ويسحق هذا الوجود ويتناثَر فوق رأس الأغبياء والسذَّج والمغفَّلين أمثالها.

كانتْ تفكر بهذه الأفكار وعيونها تنهمر كالأنهار، بينما كان فؤاد ينظر إليها مبتسمًا ابتسامة النصر.

ساد بينهما صمتٌ كئيب، سافر كلٌّ منهما خلال دقائقه القليلة عبر دروب متخبِّطة من الأفكار، بعد دقائق التفتَتْ حولها.

أحست أن الكون حولها ثابت راسخ، راضخ لسنن الله، راضٍ بأمر الله، قالت لنفسها: سيبقى الكون كما هو؛ لأنه ائتمر بأمر الله، أما أنا، أنا التي تستحق السحق والقتْل والحرق والنسيان؛ لأنني لم أعِ أوامر ربي، ولم ألتزم بها، شعرتْ بخجلها الشديد من خالقها وبارئها؛ لأنها لم ترتدِ لباس التقوى، فبقيتْ عابثة عارية من الخير، وسلكتْ كل الدروب التي أبعدتها عنه - سبحانه.

ابتعد فؤاد قليلاً عن ذلك المكان، وعاد يحمل بين يديه وردة برية، نظر إلى أحلام مليًّا، ثم قطَّع الوردة إربًا إربًا، وسحقها تحت قدمه، ومشى خطوات بعيدة عن أحلام، نادتْه إلى أين؟ فقال لها:
ألم تفهمي بعد؟ لقد قمتُ بكل خطوة لأوضح لك مكانتك عندي، وأشار إلى بقايا الوردة المسحوقة القذرة، وقال لها: أنت بالنسبة لي مثل هذه الوردة بالضبط.

أحست باللطمات والصفعات التي وُجِّهَتْ لقلبها المنْهَك، ولجسدها النازف، لكنَّها تمالَكَتْ وسألته:ماذا تقصد؟
أجاب: أقصد أنني سأتركك هنا، وحدك!
قامت بلهفةٍ واتجهت نحوه وقالت: وماذا أفعل هنا؟ أجابها بحزْم: ابتعدي عني أيتها القذرة الخائنة!
رفعتْ صوتها وقالت: بل أنت الخائن، أنت المخادع، أنت الكذاب.
ضحك وقال: أكملي، فهذه بعض صفاتك، أنا لم أخن الأب والأخ والعشيرة، ولم أكذب على أمي وأقنعها بأنني ذاهب للدراسة مع زميلاتي، أنا لم أستعمل الهاتف ليلاً لأصطاد شابًّا! أنت صيد أوقع نفسه في الفخِّ!
ثم مدَّ يده نحو الشبكة التي كانت معه، وقال: أما هذه الشبكة، فليستْ لك.

سألته بهلع: ولمن إذًا؟ قال بهدوء: إنها لفتاة نظيفة، إنها للؤلؤة مكنونة، خطبتُ طهارتها ونقاءها وعفَّتها، قبل أن أراها بين والدها وإخوتها شامخة الرأس، عزيزة النفس، بعيدة المنال، تاقت نفسي لها، واشتاق لها قلبي، فدفعْتُ كل ما أملك لها وحدها؛ فمثلها يستحقُّ ذلك وأكثر.

قالت بانفعال مخنوق: أيها اللص، أجاب بفتور: نعم، أي خدمة يا آنسة، عفوًا، يا سيدة! أَوَلا تعلمين أن اللص المحترف يحترم الأمين؟!

هزتْ رأسها وقالت بذلٍّ قاتل: أعرف، أعرف، أشاح بوجْهه عنها، وقال: بعد أيام ستدق الطبول، وتضرب الدفوف، وتنتشر الورود، وتقدم الهدايا؛ لأنني سوف أُزَفُّ إلى لؤلؤتي المكنونة، ثم سار بعيدًا عنها.

ركضتْ خلفه، تبعته، نادته: فؤاد! فؤاد! حرام عليك، إلى مَن تتركني؟!
ربما لامست يدها سيارته المنطلقة بسرعة بعيدًا، فأحستْ بقشة الغريق المنجية تفلت من يديها، لقد تابع مسيره، تاركًا صوتها يضج في الفضاء، ابتعد أكثر حتى توارى صوتها وشكلها، وتركها نسيًا منسيًّا، تنهشها ألسن المدن، وذئاب الصحاري.

جنون انثى 07-06-2018 09:47 AM

رد: اللقاء الأخير
 
يعطيك الفين عاافيه
تقبل ودي وعبير وردي

براءة مشاعر 09-06-2018 10:11 PM

رد: اللقاء الأخير
 
يعطيك العافية

الغارس 23-06-2018 01:56 PM

رد: اللقاء الأخير
 
مليون شكر لكم على المرور

جنون انثى

براءة مشاعر

пαнεɔ 24-06-2018 07:48 PM

رد: اللقاء الأخير
 
الله يعطيك العافيه .. لاعدمناك

مُزُنْ 26-06-2018 09:15 AM

رد: اللقاء الأخير
 
الله يعطيك العافيه ويسلم يديك دمت بحفظ الله

الغارس 27-06-2018 03:39 PM

رد: اللقاء الأخير
 
استاذتي الفاضلة مزن


لكم التقدير و الامتنان الكلمل على المرور

الغارس 27-06-2018 03:39 PM

رد: اللقاء الأخير
 

الاخت ناهد

لكم التقدير و الامتنان الكلمل على المرور


الساعة الآن 11:03 AM

Powered by vBulletin® Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir
هذا الموقع يتسخدم منتجات Weblanca.com
HêĽм √ 3.1 BY: ! ωαнαм ! © 2010

a.d - i.s.s.w

اختصار الروابط